الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

83

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الكامل . وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [ القصص : 50 ] أن بِغَيْرِ هُدىً حال فمؤكدة ليست تقييدا إذ لا يكون الهوى إلا بغير هدى . وتعريف الْهَوى تعريف الجنس . والتعريف في الْمَأْوى الأول والثاني تعريف العهد ، أي مأوى من طغى ، ومأوى من خاف مقام ربه ، وهو تعريف مغن عن ذكر ما يضاف إليه ( مأوى ) ومثله شائع في الكلام كما في قوله : غضّ الطرف « 1 » ، أي الطرف المعهود من الأمر ، أي غض طرفك . وقوله : واملأ السمع ، أي سمعك « 2 » وقوله تعالى : وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ [ الأعراف : 46 ] ، أي على أعراف الحجاب ، ولذلك فتقدير الكلام عند نحاة البصرة المأوى له أو مأواه عند نحاة الكوفة ، ويسمي نحاة الكوفة الألف واللام هذه عوضا عن المضاف إليه وهي تسمية حسنة لوضوحها واختصارها ، ويأبى ذلك البصريون ، وهو خلاف ضئيل ، إذ المعنى متفق عليه . والمأوى : اسم مكان من أوى ، إذا رجع ، فالمراد به : المقر والمسكن لأن المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنة . و مَقامَ رَبِّهِ مجاز عن الجلال والمهابة وأصل المقام مكان القيام فكان أصله مكان ما يضاف هو إليه ، ثم شاع إطلاقه على نفس ما يضاف إليه على طريقة الكناية بتعظيم المكان عن تعظيم صاحبه ، مثل ألفاظ : جناب ، وكنف ، وذرى ، قال تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] وقال : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي [ إبراهيم : 14 ] وذلك من قبيل الكناية المطلوب بها نسبة إلى المكنى عنه فإن خوف مقام اللّه مراد به خوف اللّه والمراد بالنسبة ما يشمل التعلق بالمفعول . وفي قوله : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى إلى قوله : فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى محسن الجمع مع التقسيم .

--> ( 1 ) في قول الفرزدق : فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا ( 2 ) في قول البوصيري : واملأ السمع من محاسن يم * ليها عليها الإنشاد والإملاء